حرب فيسبوكية.. المليشيا تفبرك الانتصارات بالذكاء الاصطناعي
لم يتوقف التصعيد العسكري للمليشيا عند خطوط الجبهات، إذ فتحت بالتوازي جبهة أخرى في الفضاء المعلوماتي، مستخدمة التسجيلات المفبركة والمقاطع القديمة والمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي وإشاعات الانتصارات وتهويل نتائج الهجمات لتقديم رواية مغايرة لمسار المعارك.
وتترافق الحملة الدعائية للمليشيا مع نشر مقاطع تحت مسمى توثيق انتصارات عسكرية واسعة، بينها مشاهد للسيطرة على مواقع في تعز والجوف ومأرب، أعيد تقديمها بوصفها عمليات حديثة، في حين تشير الخريطة الميدانية إلى واقع أكثر تعقيدا.
وجاء ادعاء المليشيا إسقاط مقاتلة سعودية من طراز F-15 في أجواء مأرب نموذجا بارزا، إذ بث إعلامها الحربي مقاطع زعم أنها لحطام الطائرة، قبل أن تكشف منصات تدقيق الحقائق أن اللقطات مقتطعة ومعاد تدويرها من حادثة قديمة وجرى دمجها مع مشاهد لسقوط مسيرة أميركية.
ويصف سكان مديرية الشمايتين جنوب غربي تعز الإشاعات التي تبثها المليشيا عن قرب سقوط مناطقهم بالغزو الفيسبوكي، بعد تدفق أنباء مفبركة حول سقوط مواقع حاكمة عقب فشل محاولات تسلل، بهدف إثارة الذعر بين القوات الحكومية وسكان مدينة التربة.
يقول نجيب عباس وهو معلم وناشط سياسي لـ الشرق الأوسط إن الإشاعات لم تؤثر كثيرا في معنويات السكان، لكنها دفعت بعضهم إلى تخفيف الحركة في الأسواق والمرافق العامة وشراء احتياجات منزلية إضافية خشية استهداف الطرق ومركبات نقل المواد الضرورية.
وكثفت المليشيا خلال التصعيد الأخير حملات التضليل والفبركة لاستهداف المواطن اليمني بالدرجة الأولى عبر نشر الإشاعات وإرباك الرأي العام ورفع معنويات أنصارها مع محاولة استثمارها خارجيا لصناعة صورة غير حقيقية عن الوضع في اليمن، هذا ما يقوله وكيل وزارة الإعلام اليمنية فياض النعمان الذي شرح لـ الشرق الأوسط كيفية تعامل الحكومة مع سيل التضليل.
ويوضح النعمان أن الحكومة ترصد المحتوى وتتحقق من مصدر التزييف وتاريخ نشره ومكان تصويره ومقارنته بالمعلومات الرسمية والميدانية، مؤكدا أن سرعة التحقق خلال العمليات العسكرية ضرورية لمنع تحول المعلومة الكاذبة إلى رواية يصعب تصحيحها.
ومنذ إعلان المليشيا في يوليو الماضي بدء التصعيد في البحر الأحمر، تصاعدت رواياتها عن إجبار قطع بحرية دولية على مغادرة الممر وتدمير سفن وناقلات نفط بالكامل مع تضخيم نتائج الهجمات البحرية لتقديم نفسها بوصفها قادرة على تغيير قواعد الملاحة.
ورفعت هجمات المليشيا مخاطر الشحن وتكاليف التأمين وأدت إلى تغيير بعض الناقلات لمساراتها، إلا أنها وبعد سيطرتها على باب المندب ناقضت نفسها وأعلنت أنها لن تمنع مرور السفن بالتزامن مع تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب كشف فيها عن مبادرة المليشيا للتواصل مع حكومته وطمأنته بعدم الدخول في قتال معها أو استهداف سفنها.
وتتخذ الدعاية في مأرب طابعا أكثر تنظيما يستهدف ضرب التلاحم القبلي والعسكري من خلال مزاعم التسليم الوهمي للمواقع وإشاعات عن قرب دخول المدينة أو خلافات مالية داخل الجيش اليمني.
ويرى أنور العامري المستشار السياسي والإعلامي لرئيس هيئة الأركان العامة السابق أن خطورة الإشاعة تكمن في وصولها إلى المتلقي قبل المعلومة الموثقة، منتقدا عدم اهتمام الحكومة الشرعية بهذا الجانب بالشكل المناسب.
ويقول لـ الشرق الأوسط إن سرعة الاتصال العسكري ووضوح المعلومة يمثلان جزءا أساسيا من الحفاظ على المعنويات، مشيرا إلى جهود وزارة الدفاع ودائرة التوجيه المعنوي، لافتا إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل تطورا نوعيا في أدوات التضليل لكنه لا يلغي أساليب الحرب النفسية التقليدية.
وكانت المليشيا ردت على مقاطع الجيش اليمني التي توثق استهداف عناصرها بطائرات مسيرة بمقاطع مشابهة مولدة بالذكاء الاصطناعي وظهر التزييف بوضوح في غالبيتها في محاولة لرفع معنويات مقاتليها إلى جانب إعادة تداول محتوى قديم لتقديم صورة عن خسائر كبيرة في صفوف القوات الحكومية.